كتاب الفرنسي إريك سادان يشرّح تضخّم الذات في زمن الإنترنت
أبو بكر العيادي
في كتابه الأخير “عصر الفرد المستبد”، يصف المفكر الفرنسي إريك سادان، المتخصّص في التكنولوجيات الرقمية، هذا التطوّر المذهل الذي حوّل، في بضعة أعوام، الفردَ المواطن الذي يحترم الإطار العام، إلى فرد مستبد يرفض منح ثقته للسلطة السياسية ولو كانت منتخبة ديمقراطياً، مثلما يرفض الاعتراف بما هو واقعي كالأحداث والعلاقات والآراء، ما يسيء إلى فكرة الحوكمة المشتركة، التي باتت شبه مستحيلة، مؤكّدا على الصلة بين الثقافات الرقمية كالجوّال وأجهزة الكمبيوتر وبين ظهور ما أسماه “الفرد المستبد”.
وفي اعتقاده أن كل فرد مبحر على الشبكة صار يسمح لنفسه بالطعن في حق وجود عناصر تخالف حقيقته، التي لا تعدو أن تكون سوى حقيقة بنيت حول حياة في هذا الموقع أو ذاك من “مجموعته”. وبعض “اللايكات” التي يحصل عليها إثر كل رأي، توهمه بأن رأيه، حتى وإن جرفته آراء أخرى في خضم المنشورات التي لا تتوقف أبدا، له قيمة، وسوف يحسب له حساب، والحال أن مسار الإنترنت الذي لا يني يتكرّر ويتجدّد، يحكم بانحسار الحقل الواقعي وزيادة عدم الاكتراث لدى الآخرين.
يقف سادان عند محطات تطوّر المستحدثات التكنولوجية في العشريتين الأخيرتين من كمبيوتر “أي ماك” لشركة “أبل”، الذي يحوي كل شيء، إلى تطبيقات التعارف والتلاقي التي تسمح باختيار العلاقات المستقبلية كما يختار المرء بضائع في الأسواق، ويعود إلى نقطة الانطلاق حين ابتكرت الصناعة الرقمية أدوات وأجهزة وحدودا مشتركة بينها، تعطي لمستخدميها إحساساً بأنهم وُهبوا قوة مضاعفة، ويتجلى ذلك خاصة في المواقع الاجتماعية عن طريق تعبير كل واحد عن آرائه وأحقاده.
وكان لذلك أثر على السلوك: كالتطهير النفسي اللاشعوري والتنفيس عن الأنا في فيسبوك، وانتصار الأفكار في مئة وأربعين حرفا في تويتر على حساب الفعل المجسّد، ونهاية التحفظ على الصورة بفعل السيلفي، والتصرّف في الشخصية كعلامة تجارية في إنستغرام، علاوة على تطبيقات أخرى، مثل أوبر، تتيح التقويم المتبادل. كل ذلك حوّل الأفراد إلى بضائع وأوهمهم في الوقت نفسه بأنهم يملكون قوة جبارة، بمقدورها أن تتحكم في كل شيء، وتجعل كل شيء خاضعا لإرادتها.
“الفرد المستبد”، كما يصفه سادان، لم يعد يثق في رجال السياسة، ويحس بأنهم يغمطون حقه، ويتجاهلونه، فوجد في الوسائط الرقمية فرصة كي يعبّر عن غضبه، ولسان حاله يقول “لا أحد يتحدّث عني، إذن سأتحدّث عن نفسي لمن هم مثلي”، ما أدّى إلى تصوّر متضخّم للذات.
ذلك أن المجتمع، حين تحوّل أفراده إلى مقاولين يرتبون حياتهم كما يهوون، ترك روابطه المشتركة القديمة تتفسّخ لصالح مؤسسات رقمية، عرفت كيف تشدّ الانتباه وتستقطب الطاقة، تلك الطاقة التي كانت في ما مضى في خدمة الالتزام السياسي والعمل الجمعياتي أو النضال من أجل قضية عادلة. ففي عصر الفرد المستبد، يسعى كل فرد إلى الترويج لذاته على نحو ينبذ ويرفض كل قانون مخالف لقانونه الخاص. وبما أنه نتاج للتنمية الذاتية فإنه لا يقبل أن يحكمه أحد. وفي هذا خطر على الحياة المشتركة والعيش الآمن.
والنتيجة، عالم يزداد عنفاً وهياجاً، دون أن يمتلك أحد شرعية القيام بدور الوسيط، لتقريب وجهات النظر، أو حل المشكلة، ما قد يقود إلى “حرب الجميع على الجميع”. ومع ظهور “الفرد المستبد” بات مفهوم واقع مشترك يترنّح، والسبب تضخّم الذات على نطاق واسع، ذلك الذي أوجدته وحثّت عليه، لأسباب تجارية صارت اليوم معلومة، التكنولوجيات الحديثة، وفي مقدمتها المواقع الاجتماعية.
يقول سادان “ما أسميه الفرد المستبد هو عدد كبير من الأفراد، ما عادوا يثقون في المنظومة المشتركة والخطاب السياسي، بسبب توالي الخيبات منذ نصف قرن، فلجأوا إلى أنفسهم، للتعبير عن غيظهم”. ولكن استبدادهم بالرأي، وتضخّم ذواتهم، نتيجة إفراطهم في الاعتماد على العوالم الافتراضية، قد يهدّدان مصير المجموعات البشرية أصلاً.
Average Rating