محمد فوزي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أعلن الجيش الإسرائيلي، خلال الساعات الماضية، أنه حشد قوات إضافية – ويشمل ذلك استدعاء قوات احتياط – في منطقة القيادة الجنوبية قرب قطاع غزة، وكان لافتاً أن هذا الحشد الإسرائيلي والتحركات العسكرية، قد تزامنت مع تلويح “نتنياهو” بسيناريو التصعيد والعودة إلى مربع الحرب مرة أخرى في قطاع غزة، فضلاً عن تزامنها مع الضغوط الكبيرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بتهجير الفلسطينيين، وهو سياق يطرح العديد من التساؤلات المرتبطة بمدلولات هذه التحركات الإسرائيلية ومآلات اتفاق وقف إطلاق النار في ضوء هذه التطورات والمعطيات.
توقيت لافت
ارتبطت أهمية هذه التحركات العسكرية الإسرائيلية بالسياق العام الذي تأتي في ظله، وتوقيتها، خصوصاً ما يتصل بالعثرات والتحديات التي تواجه اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن التداعيات السلبية التي خلفها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خططه بخصوص تهجير سكان قطاع غزة. ويمكن تناول أبرز دلالات وسياقات هذه التحركات الإسرائيلية في ضوء التالي:
1- حشد عسكري إسرائيلي على حدود قطاع غزة: أعلن الجيش الإسرائيلي في 11 فبراير 2025، أنه حشد قوات إضافية تشمل قوات احتياط، في منطقة القيادة الجنوبية قرب قطاع غزة “استعداداً للسيناريوهات المختلفة”؛ وذلك بعد وقت قصير من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه أوعز إلى الجيش بحشد القوات داخل القطاع وحوله. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: “بناء على تقييم الوضع والقرار برفع حالة الاستعداد والجاهزية في منطقة القيادة الجنوبية، تم إقرار تعزيز إضافي وواسع للقوات، ويشمل استدعاء قوات احتياط”.
وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية قد أشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي ألغى إجازات جنوده من “فرقة غزة” (تابعة للقيادة الجنوبية)، ورفع حالة التأهب بين قواته الموجودة بالقطاع. وبدت حالة الحشد العسكري الإسرائيلي في هذا الإطار كأنها استعداد لسيناريو استئناف القتال وانهيار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع حركة حماس.
2- تبادل الاتهامات بشأن خرق اتفاق وقف النار: كان لافتاً في حالة الحشد العسكري الإسرائيلي الراهنة في محيط قطاع غزة، أنها تأتي عقب إعلان حركة حماس، على لسان الناطق الرسمي باسم كتائب القسام أبو عبيدة، عن تعليق عملية تبادل المحتجزين الإسرائيليين؛ بسبب ما وصفها بـ”الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً فيما يتصل بالبروتوكول الإنساني”. ويبدو أن إسرائيل تستعد عقب هذه الخطوة من حماس لسيناريو العودة إلى مربع الحرب مرة أخرى.
وبالنظر إلى التعاطي الإسرائيلي مع إعلان حماس، نجد أن هذا التعاطي غلب عليه مجموعة من السمات الرئيسية، أولها عقد مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي اجتماعاً خاصاً لبحث تداعيات إعلان حماس تعليق تسليم المحتجزين، وثانيها إلقاء المسؤولين الإسرائيليين اللوم على حماس وتحميلها مسؤولية ما وصفوه بخروقات اتفاق وقف إطلاق النار، وثالثها تنفيذ بعض العمليات النوعية التي تخرق عملياً الاتفاق، على غرار إعلان الجيش الإسرائيلي في 12 فبراير 2025 تنفيذ عملية قصف جوي بطائرة مسيرة ضد ما وصفهم بالمشتبه بهم في مدينة رفح الفلسطينية.
3- تصاعُد الدعوات الأمريكية إلى تهجير سكان غزة: تزامنت هذه الحالة من الحشد العسكري الإسرائيلي مع العديد من التحركات الأمريكية اللافتة، التي يبدو أنها وفرت غطاءً لإسرائيل للدفع باتجاه المزيد من التصعيد، وأول هذه التحركات الأمريكية هو الطرح الخاص بالرئيس دونالد ترامب والرامي إلى تهجير الشعب الفلسطيني في غزة، وثانيها إعلان وزارة الدفاع الأمريكية في 7 فبراير 2025 عن موافقة وزارة الخارجية على مبيعات محتملة لصواريخ وذخائر ومعدات أخرى لإسرائيل بقيمة إجمالية تقدر بنحو 7.4 مليار دولار، وثالثها تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 12 فبراير 2025، عن دعمه الضمني لإسرائيل في استئناف القتال؛ حيث أشار في تصريحات إلى أنه “لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لحماس باستغلال وقف إطلاق النار في غزة لإعادة التسلح”.
4- شروط إسرائيلية جديدة لإتمام مراحل الاتفاق: أيضاً جاءت هذه التحركات الإسرائيلية في سياق يغلب عليه التعقيد فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ليس فقط ارتباطاً بإعلان حماس تعليق عمليات التبادل، ولكن ارتباطاً بالتعقيدات التي تواجه المرحلة الثانية من عمر الاتفاق؛ حيث أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في تقرير لها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أبلغ الوسطاء بمجموعة من المتطلبات والشروط الجديدة الخاصة بالمرحلة الثانية من الاتفاق، على غرار نفي قيادات حركة حماس من القطاع، وتفكيك الذراع العسكرية لها “كتائب القسام”، بالإضافة إلى المطالبة بإطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين، وهي شروط بدت بالنسبة إلى العديد من الدوائر الفلسطينية كأنها تعجيزية، وبطبيعة الحال لن تقبل بها حركة حماس أو الفصائل الفلسطينية، وهي اعتبارات أضفت المزيد من التعقيدات والتحديات على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
سيناريوهات محتملة
تطرح هذه التحركات العسكرية الإسرائيلية وما تزامنت معه من سياقات ومتغيرات وتطورات، العديد من السيناريوهات الرئيسية، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:
1- العودة إلى مربع الحرب في قطاع غزة: يفترض هذا السيناريو انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وعودة الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. ويستند هذا السيناريو إلى مجموعة من المؤشرات الرئيسية، أولها أن إسرائيل بدأت بالفعل في الاستعداد لهذا السيناريو، من خلال هذه الحشود العسكرية، وثانيها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد حذر بتصعيد غير مسبوق إذا لم تفرج حماس عن المحتجزين، وثالثها أن الشروط الإسرائيلية الجديدة التي ذكرها الإعلام العبري تدفع باتجاه تعقيد المشهد في غزة، وباتجاه العودة إلى مربع التصعيد مرة أخرى، ورابعها الضغوط التي يمارسها اليمين المتطرف في إسرائيل على “نتنياهو” من أجل استئناف الحرب.
2- إتمام المرحلة الأولى من عمر الاتفاق: يفترض هذا السيناريو إتمام المرحلة الأولى من عمر اتفاق وقف إطلاق النار، التي يُفترض فيها أن يتم فيه الإفراج عن 33 محتجزاً إسرائيلياً، مقابل 1760 أسيراً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية. ويقتضي هذا السيناريو عدم الوصول إلى مربع التصعيد العسكري مرة أخرى في قطاع غزة قبيل إتمام هذه المرحلة. ويأتي هذا السيناريو مدفوعاً بجملة من المؤشرات، أولها أن كافة الأطراف، وخصوصاً الوسطاء، يضغطون من أجل إتمام المرحلة الأولى من عمر الاتفاق، وثانيها أن الخلافات الرئيسية وفق ما ينشره الإعلام العبري ترتبط بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وثالثها أن إعلان حماس الأخير كان تعليقاً للاتفاق وليس إعلاناً عن فشله أو انتهائه. ومن ثم جاءت هذه الخطوة من حماس على الأرجح للضغط على إسرائيل من أجل الوفاء بالتزاماتها.
3- نجاح اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاثة: يفترض هذا السيناريو نجاح اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بمراحله الثلاثة، والوصول إلى إنهاء للقتال في قطاع غزة بشكل مستدام، والبدء في عملية إعادة إعمار القطاع، و”اليوم التالي” أو مرحلة ما بعد الحرب. ويستند هذا السيناريو إلى مجموعة من الاعتبارات الرئيسية، أولها احتمالية الوصول إلى صفقة أو صيغة إقليمية عربية أمريكية خاصة بإنهاء القتال في قطاع غزة، وثانيها الجهود الكبيرة المبذولة من الوسطاء لحلحلة النقاط العالقة في اتفاق وقف إطلاق النار بين طرفي الحرب، وثالثها الضغوط الكبيرة من الداخل الإسرائيلي على “نتنياهو” خصوصاً من عائلات المحتجزين الإسرائيليين، فضلاً عن المعارضة الإسرائيلية، حتى إن الاحتجاجات بدأت تعود إلى شوارع الداخل الإسرائيلي عقب بروز مؤشرات على احتمالية عودة إسرائيل إلى القتال.
مسار غامض
ختاماً يمكن القول إن الحشود العسكرية الإسرائيلية في محيط قطاع غزة، تأتي للتلويح بسيناريو العودة إلى مربع الحرب أو كاستعداد فعلي لهذا السيناريو، وهي مدفوعة في ذلك بجملة من الاعتبارات الرئيسية، خصوصاً ما يتصل بحالة التصعيد الأمريكي الكبير من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، فضلاً عن ضغوط اليمين المتطرف على “نتنياهو” لاستئناف الحرب، بالإضافة إلى الحسابات الشخصية والسياسية الخاصة بـ”نتنياهو”. وعملياً بات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يواجه تحديات كبيرة على وقع العوامل السابقة؛ الأمر الذي قد يدفع باتجاه ترجيح سيناريو العودة إلى مربع الحرب، على الأقل عقب إتمام المرحلة الأولى من عمر الاتفاق ما لم يضغط الضامنون للاتفاق على طرفي الصراع لتجاوز تلك التحديات المعُقدة.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
Average Rating