ميرال حسين
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في تطور مفاجئ للأحداث، في 11 مارس 2025، وافقت أوكرانيا على وقف إطلاق نار لمدة 30 يوماً مع روسيا، وذلك عقب محادثات سلام مع الولايات المتحدة في السعودية. ومع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، يُمثل هذا التوقف المؤقت للقتال فرصة لتهدئة التصعيد والدبلوماسية. وفي مقابل مشاركة أوكرانيا، رفعت الولايات المتحدة تعليقها للمساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والذي كان قد عُلّق سابقاً في أعقاب التوترات بين واشنطن وكييف. وبالتالي، تثار التساؤلات حول دوافع التوصل إلى هذه الهدنة، ومن ثم محددات نجاحها؛ إذ يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فوراً إذا وافقت روسيا. لذلك تتجه الأنظار الآن إلى روسيا: هل ستقبل الاتفاق وسيؤدي حقاً إلى السلام أم أنه مجرد خطوة مؤقتة في لعبة جيوسياسية معقدة؟.
دوافع متعددة
من منطلق سعي أوكرانيا إلى تخفيف وطأة الحرب عليها، وكذلك استهداف الولايات المتحدة إنهاء الحرب لما لها من تكلفة عالية على الميزانية الأمريكية، تمثلت دوافع التوصل إلى هذه الهدنة، وذلك على النحو التالي:
1- الضغط الاستراتيجي من الولايات المتحدة: تُعد المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة، التي استثمرت بشكل كبير في دعم دفاع أوكرانيا ضد روسيا، من القوى الدافعة وراء وقف إطلاق النار؛ إذ جعل تعليق المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية أوكرانيا في وضع حرج على أرض المعركة. وقد أثر هذا التوقف للمساعدات بشكل مباشر على قدرة أوكرانيا على وضع استراتيجيات دفاعية فعالة ومواجهة التقدم الروسي. ومن خلال تسهيل وقف إطلاق النار هذا وإعادة المساعدات، مارست الولايات المتحدة ضغطاً فعالاً على أوكرانيا للجلوس إلى طاولة المفاوضات، على أمل تحقيق الاستقرار في المنطقة ومنع المزيد من التصعيد.
2- رغبة أوكرانيا في الحصول على دعم أمريكي متواصل: بالنسبة لأوكرانيا، تُقدم الهدنة إغاثة حاسمة. وقد وضع تعليق الدعم الأمريكي ضغطاً هائلاً على القوات الأوكرانية؛ حيث اعتمد الكثير منها على الاستخبارات الأمريكية للدفاع ضد الضربات الصاروخية الروسية والهجمات العسكرية المباشرة. فبموافقتها على وقف إطلاق النار، تحصل أوكرانيا على فترة استراحة ضرورية، وتضمن استئنافاً فورياً للمساعدات الاستخباراتية والعسكرية، التي تحتاجها بشدة لمواصلة جهودها الدفاعية.
3- تزايد الضغوط العالمية لإنهاء الحرب: جاءت موافقة أوكرانيا على الهدنة أيضاً كاستجابةً للضغوط السياسية العالمية، ولا سيما مع الدعوات الدولية لخفض الأعمال العدائية. وقد دعت دول مثل الصين وأعضاء الاتحاد الأوروبي إلى محادثات سلام، مما يخلق شعوراً بالإلحاح لدى القوى العالمية لاتخاذ خطوات جادة نحو الحد من نطاق الحرب وتأثيرها. كما يسمح دور الولايات المتحدة كوسيط لها بتعزيز نفوذها الدبلوماسي في المنطقة، مع تقديم نفسها كقوة من أجل السلام.
4- الاستجابة لأولويات “ترامب” الجيوسياسية: لطالما أعطى الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الأولوية لإنهاء الصراع في أوكرانيا خلال حملته الانتخابية، واصفاً إياه بأنه هدف جيوسياسي رئيسي لعهده. ومن خلال تسهيل اتفاق وقف إطلاق النار، قد تحاول إدارة “ترامب” الوفاء بهذا التعهد، مع ترسيخ مكانتها كصانعة سلام. ويتماشى هذا مع استراتيجية “ترامب” الأوسع في السياسة الخارجية، والمتمثلة في الحد من التدخل العسكري الأمريكي في النزاعات الخارجية، والتحول نحو حلول اقتصادية مثل تأمين الاستثمارات المعدنية في أوكرانيا.
5- تلاقي المصالح الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا: يُؤكد البيان الأمريكي الأوكراني المشترك ليس فقط استعداد أوكرانيا للمشاركة في محادثات تُفيد أمنها، بل أيضاً يبرز الاتفاق إبرام صفقة معادن نادرة في أقرب وقت ممكن جهود الولايات المتحدة لتأمين مصالحها الاقتصادية.
6- تفاقم التكلفة الإنسانية للحرب: فاقمت الخسائر الفادحة في كلا الجانبين، ولا سيما مع استمرار الهجمات على المدنيين في موسكو وأوكرانيا، من إلحاح محادثات السلام. وأكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على أهمية وقف إراقة الدماء، معترفاً بأن وقف إطلاق النار قد يكون خطوة حاسمة نحو وقف الخسائر المستمرة في الأرواح. ويعكس استئناف تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة الأمنية رغبة الولايات المتحدة في الحد من الآثار المدمرة للحرب.
محددات رئيسية
على الرغم من تعدد الدوافع للتوصل لهذه الهدنة، إلا أن نجاح وقف إطلاق النار يعتمد على عوامل رئيسية قد تحد من نجاح هذه الهدنة، أبرزها ما يلي:
1- الاعتبارات الاستراتيجية لموسكو: أشار المسؤولون الروس إلى أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يكون وفقاً لشروطهم. وبالتالي، إذا لم يُلبِّ مقترح وقف إطلاق النار المطالب الاستراتيجية لروسيا أو لم يضمن أمن القوات الروسية، فقد يُواصل الكرملين معارضته للاتفاق. لكن تجدر الإشارة إلى أنه تاريخياً، طالما كانت روسيا مترددة في الانضمام إلى مثل هذه الهدن دون الحصول على تنازلات إضافية، مثل تخفيف العقوبات أو مزايا جيوسياسية أخرى. إذا رأت روسيا في وقف إطلاق النار هذا فرصة لإعادة تنظيم صفوفها عسكرياً أو تحقيق المزيد من المكاسب، فقد تدفع باتجاه مطالب إضافية، مما يُقوّض عملية السلام الهشة.
وفي هذا السياق، صرح الرئيس الروسي بوتين، يوم 13 مارس الجاري، وقال إن “وقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً سيكون جيداً لأوكرانيا في الظروف الراهنة وبسبب وضعها على الأرض”، وأضاف: “من مصلحة أوكرانيا طلب هدنة مدتها 30 يوماً، ونحن على هذا الطرح، ولكن ماذا سنفعل بما يحدث في كورسك… وأي وقف لإطلاق النار في أوكرانيا يجب أن يقود إلى سلام دائم.. وقد أتحدث مع (الرئيس الأمريكي) ترامب بشأن المقترح”.
2- القدرة على توفير آليات المراقبة والامتثال: أكد الرئيس الأوكراني “زيلينسكي” أهمية المراقبة الفعّالة لوقف إطلاق النار، نظراً للتحديات التي تُشكّلها الطائرات المُسيّرة الصغيرة والفتاكة وخط المواجهة الطويل الذي يمتدّ لألف كيلومتر. وبالتالي، لنجاح وقف إطلاق النار، لا بد من وجود آليات رصد وتحقق فعّالة لضمان التزام كلا الجانبين. ومع ذلك، في حالة أوكرانيا ستكون الرقابة الدولية الفعّالة، ربما من قِبل الأمم المتحدة أو طرف محايد آخر ضرورية لضمان التزام كل من أوكرانيا وروسيا بالشروط، وخاصةً وقف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والقنابل على طول خطوط المواجهة.
3- حدود الدعم السياسي الداخلي في أوكرانيا للهدنة: سيحدد مستوى التوافق السياسي داخل أوكرانيا أيضاً مدى صمود وقف إطلاق النار؛ إذ إن الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” سيواجه تحدي الحفاظ على دعم الفصائل السياسية الرئيسية والقادة العسكريين الذين قد تختلف آراؤهم حول شروط وقف إطلاق النار. ففي حين أن الهدنة تجلب راحة عسكرية فورية، إلا أن بعض الفصائل داخل أوكرانيا قد تعتبرها تسوية قد تقوّض سيادة البلاد وسلامة أراضيها على المدى الطويل. إذا اندلعت الانقسامات الداخلية، فقد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار موقف أوكرانيا وتعريض نجاح وقف إطلاق النار للخطر.
4- دور القوى الدولية الفاعلة في الدفع نحو نجاح الهدنة: سيكون الدعم والضغط من الجهات الفاعلة الدولية، وخاصةً الولايات المتحدة، محورياً؛ ففي حين أن الولايات المتحدة رفعت تعليق المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلا أن مدى استجابة المجتمع الدولي الأوسع -وخاصة الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي المحتمل من قوى دولية أخرى مثل الصين- لشروط وقف إطلاق النار، سيكون محدداً قوياً. كذلك سيكون استمرار الضغط الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية على روسيا والجهود المنسقة لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار أمراً حاسماً في تحديد ما إذا كان هذا السلام المؤقت يمكن أن يتحول إلى اتفاق أكثر ديمومة.
5- مدى قدرة الدول الأوروبية على تشكيل موقف موحد تجاه الهدنة: إذ أقر 440 من نواب الاتحاد الأوروبي بياناً مشتركاً واسع النطاق في 12 مارس، أدانوا فيه الولايات المتحدة لـ”ابتزازها” القيادة الأوكرانية ودفعها للاستسلام للموافقة على وقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً باستخدام المساعدات العسكرية كورقة ضغط. وبالتالي، قد يُقوّض هذا الضغط الخارجي استقلالية أوكرانيا في تحديد شروط وأحكام أي وقف لإطلاق النار، مما قد يؤدي إلى مقاومة من القيادة الأوكرانية.
وبينما يُعرب البرلمان الأوروبي عن دعمه لوقف إطلاق النار وزيادة العقوبات، فإن الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي قد تُعقّد الجهود المبذولة لتشكيل جبهة موحدة في المفاوضات. قد لا تدعم الدول ذات المصالح الاقتصادية أو الجيوسياسية المختلفة اقتراح وقف إطلاق النار أو العقوبات اللازمة لتطبيقه بشكل كامل.
وإجمالاً لما سبق، يُمثل اتفاق وقف إطلاق النار بين أوكرانيا وروسيا، الذي تديره الولايات المتحدة، تطوراً هاماً، وإن كان هشاً. فبينما تُقدّم الهدنة دعماً عسكرياً بالغ الأهمية لأوكرانيا وتُشير إلى احتمال خفض التصعيد، فإن نجاحها يتوقف على عدة عوامل، منها استجابة روسيا، والاستقرار السياسي الداخلي في أوكرانيا، والدعم الدولي. ومع ذلك ستلعب الديناميكيات الجيوسياسية، ولا سيما تأثير الانقسامات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دوراً حاسماً في تشكيل مستقبل وقف إطلاق النار. وعلى الرغم من أن التطلع يتجه نحو التزام الطرفين بشروطه، واستمرار القوى العالمية في ممارسة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، حتى يكون هناك سبيل نحو سلام أكثر استدامة؛ إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن هشاشة هذه الهدنة تُشير إلى أن المفاوضات المستقبلية قد تواجه تحديات مستمرة، مع خطر اشتعال الصراع من جديد إذا لم تُلبَّ المطالب الأساسية.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
Average Rating